عبد الوهاب الشعراني
471
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
قلوبهم وأدركوا علوم أهل اللّه تعالى وقد بسطنا الكلام على ذلك في المقدمة أول هذا الكتاب وأطال الشيخ محيي الدين الكلام على ذلك في الباب الثلاثين من الفتوحات المكية واللّه أعلم . المبحث الثامن والأربعون : في بيان أن جميع أئمة الصوفية على هدى من ربهم وأن طريقة الإمام أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه أقوم طرق القوم كلها لتحريرها على الشريعة تحرير الجوهر اعلم رحمك اللّه أن حقيقة الصوفي فقيه عمل بعلمه لا غير فأورثه اللّه تعالى بعلمه الاطلاع على دقائق الشريعة وأسرارها حتى صار أحدهم مجتهدا في الطريق والأسرار كما هو شأن الأئمة المجتهدين في الفروع الشرعية ، ولذلك شرعوا في الطريق واجبات ومحرمات ومندوبات ومكروهات وخلاف الأولى زائدا على ما صرحت به الشريعة كما استنبط المجتهدون نظير ذلك وأبطلوا أي : مجتهدو القوم العبادات والعقود بالإخلال بما أوجبوه وشرطوه أو بارتكاب ما حرموه وهذا شأنهم رضي اللّه عنهم . فما من أحد منهم حق له قدم الولاية إلا وهو مجتهد في الطريق ليس عنده تقليد إلا لما صرحت به الشريعة أو أجمع عليه الأئمة فقط فمن ادّعى مقام الكمال وهو مقلد لعالم فهو غير صادق وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول مرارا : لا يكمل الرجل عندنا في الطريق حتى يأخذ العلم من حيث أخذه المجتهدون انتهى . ثم مما اختص به الصوفية عن غيرهم علمهم بالطريق الموصلة لهم إلى العمل بالكتاب والسنة فإذا قلت لهم : إن مقصودي أن أزهد في الدنيا بحيث لا يبقى عندي ميل عادي لها يقولون لك أكثر من ذكر اللّه تعالى ليلا ونهارا حتى يرق حجابك فتدرك الآخرة بعين بصيرتك وتنظر ما لمن يزهد في الدنيا من الدرجات والنعيم كما وقع لإبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه فإذا رأيت ذلك زهدت لا محالة في الدنيا ولو قال لك جمهور الناس : ارغب في الدنيا لا تصغي لهم ولو أنك يا أخي قلت ذلك لعالم لقال لك : إن اللّه تعالى أمرك أن تزهد لا غير ، ولا يهتدي للطريق إلى ذلك فحكمه حكم طبيب يحفظ كتابا في الطب ولا يعرف علاج المرض فعلم أن سبب إنكار بعض الناس على الصوفية إنما هو لدقة مداركهم ولو أن المنكر لزم الأدب